ملا محمد مهدي النراقي

291

انيس المجتهدين في علم الأصول

تذنيب لا خلاف في أنّ الفتوى والحكم ليسا من الشهادة ، بل هما كالرواية ؛ لأنّ المفتي والحاكم ناقلان عن اللّه إلى الخلق ؛ لأنّهما وارثا المعصوم ، فلا يشترط فيهما التعدّد . والفرق بينهما - كما قيل - : أنّ الفتوى مجرّد إخبار عن حكم اللّه في القضيّة ، والحكم إنشاء إطلاق ، أو إلزام في المسائل الاجتهاديّة وغيرها مع تقارب المدارك فيها ممّا ينازع فيه الخصمان لمصالح المعايش . والإطلاق والإلزام نوعا الحكم . فالأوّل كالحكم بإطلاق المسجون ونحوه . والثاني كإلزام أحد الخصمين بإعطاء ما يدّعي عليه الآخر « 1 » . ويخرج من قوله : « مع تقارب المدارك » ما ضعف مدركه كالعول والتعصيب ، فلو حكم به حاكم وجب نقضه . ومن قوله : « لمصالح المعايش » العبادة ؛ فإنّه لا مدخل للحكم فيها ، فلو حكم حاكم ببطلان عبادة زيد لم يلزم منه بطلانها ، بل إن كانت باطلة في نفس الأمر فذاك ، وإلّا فهي صحيحة . ثمّ الحكم لمّا كان إلزاما لقطع النزاع ، فلا يجوز نقضه لحاكم آخر وإن كان مخالف رأيه ، بخلاف الفتوى ؛ فإنّه مجرّد إخبار بحسب اعتقاد المفتي ، فلو كان مخالفا لاعتقاد مفت آخر يجوز نقضه . فمسائل العبادة يجوز نقضها مطلقا إذا علم المخالفة ؛ لأنّ الإخبار عنها لا يكون إلّا بعنوان الفتوى دون الحكم . وغيرها إن كان بعنوان الفتوى يجوز لمفت آخر نقضها ، وإن كان بعنوان الحكم فلا يجوز . ولو اشتمل قضيّة على أمرين : أحدهما من مصالح العبادة ، وثانيهما من مصالح المعاش ، فيلحق كلّا منهما حكمه ، كما لو حكم بصحّة حجّ من أدرك اضطراريّ المشعر وكان نائبا ؛ فإنّه لا يؤثّر في براءة ذمّة النائب في نفس الأمر ، ولكنّه يؤثّر في عدم رجوعهم عليه بالأجرة . وقس عليه أمثالها .

--> ( 1 ) . قاله الشهيد في القواعد والفوائد 1 : 248 ، الفائدة 1 .